أحمد زكي صفوت
90
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
82 - خطبة محمد بن الحنفية يرد على عبد اللّه بن الزبير وقد تنقص الإمام خطب ابن الزبير فنال من الإمام علىّ كرّم اللّه وجهه ، فبلغ ذلك ابنه محمد ابن الحنفية رضى اللّه عنه ، فأقبل حتى وضع له كرسىّ قدّامه ، فعلاه وقال : « يا معشر قريش ، شاهت الوجوه « 1 » ، أينتقص علىّ وأنتم حضور ؟ إن عليّا كان سهما صادقا ، أحدّ مرامى اللّه على أعدائه ، يقتلهم لكفرهم ، ويهوّعهم « 2 » مآكلهم ، فثقل عليهم ، فرموه بصرفة الأباطيل « 3 » ، وإنا معشر له على نهج « 4 » من أمره بنو الحسبة « 5 » من الأنصار ، فإن تكن لنا الأيام دولة ننثر عظامهم ، ونحسر « 6 »
--> دليلا على صدق دعواه ، وإن لم يوافق قال قد بدا لربكم ، وقد تبرأ ابن الحنفية منه حين وصل إليه أنه قد لبس على الناس بأنه من دعائه ورجاله ، وتبرأ من الضلالات التي ابتدعها من التأويلات الفاسدة ، والمخاريق المموهة ، فمن مخاريقه أنه كان عنده كرسي قديم قد غشاه بالديباج وزينه بأنواع الزينة وقال : هذا من ذخائر أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وهو عندنا بمنزلة التابوت لبنى إسرائيل ، فكان إذا حارب خصومه يضعه في براح الصف ، ويقول : قاتلوا ولكم الظفر والنصرة ، وهذا الكرسي محله فيكم محل التابوت في بني إسرائيل وفيه السكينة والبقية ، والملائكة من فوقكم ينزلون مددا لكم أخذا من قوله تعالى : « وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » ويقال إنه اشتراه بدرهمين من نجار - انظر قصته في تاريخ الطبري ( 7 : 140 ) . ( 1 ) شاء وجهه : قبح . ( 2 ) هوعه ما أكل : قيأه إياه . ( 3 ) مؤنث صرف ، والصرف : الخالص من كل شيء ، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف ، والأباطيل : جمع أبطولة بضم الهمزة أو إبطالة بكسرها أو هو جمع باطل على غير قياس . ( 4 ) النهج : الطريق الواضح . ( 5 ) الحسبة : الاحتساب ( طلب الأجر ) في الأعمال الصالحات ، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر ، أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو بها . ( 6 ) حسره كنصر وضرب : كشفه .